اضغط كليك يمين ثم حفظ

الغفور

المستور في الدنيا مستورٌ في الآخرة، والمفضوح هنا مفضوح هناك

الغفور

المستور في الدنيا مستورٌ في الآخرة، والمفضوح هنا مفضوح هناك.


اولا: معنى الاسم

قال الخطابي: « فالغفار: الستار لذنوب عباده، والمُسدِل عليهم ثوب عطفه ورأفته، ومعنى الستر في هذا: أنه لا يكشف أمر العبد لخلقه، ولا يهتك ستره بالعقوبة التي تُشهِره في عيونهم»( ).

ثم فصَّل أبو حامد في توضيح الفارق بين العفو والغفور فأجاد:

« العفُوُّ الذي يمحو السيئات ويتجاوز عن المعاصي، وهو قريبٌ من الغفور، ولكنه أبلغ منه، وإن الغفران ينبني عن الستر، والعفو ينبني عن المحو، والمحو أبلغ من الستر»( ).

« قال الله تعالى ]في الحديث القدسي[: من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب، غفرت له ولا أبالي ما لم يشرك بي شيئًا»( ).

ثانيا: الفارق بين الاستغفار والتوبة

الاستغفار: طلب وقاية شر ما مضى من السيئات، والتوبة: طلب وقاية شر ما يستقبل من السيئات، لأننا هنا في مواجهة ذنبين:

ذنب مضى، والواجب: الاستغفار منه، أي طلب وقاية شره.

وذنب يخاف العبد وقوعه في المستقبل، والواجب: التوبة منه، أي العزم على أن لا يقع فيه.

وقالوا: تشترك التوبة والاستغفار في السعي لإزالة السيئات، إلًّا أنَّ الاستِغفار طلبٌ من الله لإزالتها بالقول، وأما التوبة فسَعْيٌ من العبد في إِزالتها بالفعل.

وقد شبَّهوا الفارق بين الاستغفار والتوبة، بأن المذنب بمنزلة من سلك طريقًا تؤدي لهلاكه، فلا بد له من أمرين إن أراد النجاة: أن يتوقف عن متابعة السير في طريق الهاوية عن طريق الاستغفار، ثم أن يرجع إلى طريقٍ غيره بالتوبة، ولهذا جاء الأمر الرباني مرتَّبًا: {استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} [هود: 3]، فهو يمثِّل الرجوع إلى طريق الحق بعد مفارقة طريق الباطل.


ثالثًا: أوقات الاستغفار

1. ‏ عَقِبَ الخروج مِنَ الخلاء

« كان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك»( ).

فإن قيل: ما الحكمة في هذا الدعاء عقيب الخروج من الخلاء؟

ففيه وجهان، الأول: أنه قد استغفر من تركه ذكر الله مدة لُبثه على الخلاء، فكأنه رأى ذلك تقصيرًا، وعدَّه على نفسه ذنبًا، فتداركه بالاستغفار.

والثاني: التوبة من تقصيره في شكر هذه النعمة؛ ولو منع الله عنه خروج الأذى لاشترى ذلك بكل ما يملك.

2. بعد الوضوء

عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:

« من توضَّأَ فقال: سُبْحَانَكَ اللَّهُم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلَّا أنت أستغفرك، وأتوب إليك، كُتِبَ في رَقٍّ، ثُمَّ جُعِل في طابع، فلم يُكْسَر إلى يوم القيامة»( ).

وما جاور العبد في قبره من جار.. خيرٌ من كثرة استغفار! وإن الله لا يَمَلُّ من المغفرة حتى تملوا من الاستغفار.

3. في الرُّكُوع والسُّجود

يُسنُّ الدُّعاء بالمغفرة في الرُّكوع، فقد روت عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: « سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» يتأوَّل القرآن»( ).

أي يُحَقِّق قول الله تعالى: }فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ{

4. الجلوس بين السَّجدتين

روى حذيفة أنه صلَّى مع النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم)، فكان يقول بين السَّجْدتين:

« رَبِّ اغفر لي، رَبِّ اغفر لي»( ).

وكذلك كان يقول في الجلسة بين السجدتين:

« رَبِّ اغْفِرْ لي وارْحَمْنِي واجْبُرْني وارفعني وارْزُقْني واهْدِني» .

5. عقب صلاة الفريضة

والاستغفار هو أول كلمة كان ينطق بها النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد الصلاة، وهو الاستغفار ثلاثًا، وذلك تعليمًا لأمته لجبر الكسر فيها، وتعويض فوات الخشوع وانشغال القلب الذي يعتريها.

وهي وصية ابن تيمية لكل عبد، وإن كان في الطاعات مجتهدًا، فقال يوصيه بالاستغفار كعلاج لعجز العبد عن القيام بحقوق الغفار:

« فإن العَبْد لو اجتهد مهما اجْتهد لا يستطيع أن يقوم لله بِالْحَقِّ الذِي أوجبه عليه، فما يَسعه إلَّا الاستغفار والتَّوبة عقيب كل طاعة»( ).

6. في الاستسقاء

لأن حبس المطر قد يكون بسبب ذنوب العبد، فيلزمه الاستغفار إن أراد أن يُغاث!

خرج عمر بن الخطاب  يستسقي يومًا، فصعد المنبر، فقال: }استغفروا ربكم إنه كان غفارًا، يرسل السماء عليكم مدرارًا، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات، ويجعل لكم أنهارًا،{، ثم نزل، فقيل له: يا أمير المؤمنين، لو استسقيت، فقال: «لقد طلبت بمجاديح السماء التي يستنزل بها القطر» .

7. في الأسحار

لقول ربنا في وصف المؤمنين: { وَبِالأَْسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}

حين ينزل ربنا إلى السماء الدنيا فينادي عباده:  «مَنْ يستغفِرني فأغْفِر له؟!».

وهي عادة الصحابة التي لم تتخلف.

كان عبد الله بن عمر  يحيي الليل ثم يقول: يا نافع، أسْحَرنا؟! فأقول: لا، فيعاود الصلاة ثم يسأل، فإذا قلت نعم، فهو يستغفِر.

ومثله عبد الله بن مسعود ، فقد روى إبراهيم بن حاطب عن أبيه قال: سمعتُ رجلًا في السَّحر في ناحية المسجد، يقول: يا رب، أمرتني فأطعتك، وهذا سَحَرٌ؛ فاغفر لي. فنظرت، فإذا هو ابن مسعود( ).

عرف ربه الغفور مَن تعرَّض لسوق المغفرة كل سَحَر.

ما عرف ربَّه الغفور مَن نام عن موسم المغفرة اليومي في الأسحار.

8. في ختام كل مجلس

من أكثر المعاصي عددًا، وأيسرها فعلًا، وأعظمها إهلاكًا للعبد: معاصي اللسان؛ ولهذا أهدى لنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هدية من أثمن الهدايا حين قال:

«من قال: سبحان الله وبحمده سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، فإن قالها في مجلس ذِكرٍ كانت كالطابع يطبع عليه، ومن قالها في مجلس لغو، كانت كفارة له«( ). 

رابعًا: من أسباب المغفرة

ثلاثية أسباب المغفرة

في الحديث القدسي:

« قال الله تعالى:

يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك، ولا أبالي..

يا ابن آدم، لوبلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك، ولا أبالي..

يا ابن آدم، لوأنك أتيتَني بقُراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة»( ).

الأول: دعاءُ الله مع رجائه

فمِن أعظم أسباب المغفرة أنَّ العبدَ إذا أذنبَ ذنبًا لَم يرج مغفرته من غير ربِّه، ويحسن الظن بالله..

ويثق أنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فكيف بذنبه؟!

الثاني: الاستغفار

فإنَّ الذنوبَ ولو عظُمت وبلغت من الكثرةِ عنانَ السماء، فإنَّ اللهَ يغفرُها إذا طلبَ العبدُ من ربِّه المغفرة.

الثالث: التوحيد

وهو السببُ الأعظمُ للمغفرة، فمَن فقده فقد المغفرة، ومَن جاء به فقد أتى بأعظمِ أسباب المغفرة.

الرابع: رفع الأذان

كما في الحديث:

« إن الله وملائكته يُصلّون على الصَّفِّ المقدَّم، والمؤذِّن يُغفَر له مَدَّ صوته، ويُصدِّقه من سَمِعَه مِنْ رَطْبٍ ويابس، وله مثل أجر من صلى معه»( ).

فمقدار المغفرة يكون بِحسب ما يبلغه صوت المؤذِّن، وكأن ما بين مكان أذانه وما يبلغ صوته ذنوبًا له متراكمة، فيأتي الأذان؛ لينسفها، ويمحو أثرها ويغفرها، فأي فضل وأي شرف مع أبسط عمل وأيسر سبب.

الخامس: الصلاة

كما في الحديث:

«إن كل صلاة تحُطُّ ما بين يديها من خطيئة»( ).

أي ما بين كل صلاة إلى الصلاة الأخرى، وشواهد معناه كثيرة، والمراد هنا الصغائر ما اجتُنِبَت الكبائر.

خامسًا: آداب الاستغفار

1. الاستغفار الجازم المتفائل:

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):

« إذا دعا أحدكم فلا يقُلْ: اللهم اغفر لي إن شئت، وليعزِم المسألة، وليُعَظِّمْ الرَّغْبَة، فإن الله لا يعظم عليه شيء أعطاه»( ).

2. الاستغفار الشامل:

كان من دعاء النبي (صلى الله عليه وسلم):

« اللهم اغفر لي خطيئتى وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطئي وعمدي وهزلي وجدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدَّمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر، وأنت على كل شيء قدير»( ).

3. الاستغفار المنهمر:

ولكي يؤتي الاستغفار أثره المرجو فليكن كثيرًا، وكلما زاد الاستغفار أصبح أقرب إلى إزالة آثار الأوزار.

روى مكحول عن أبي هريرة قال:

ما رأيت أكثر استغفارًا من رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

4. الاستغفار المتواضع:

إن الاستغفار النافع ما كان بِذِلَّةٍ وانكسار، وما فائدة استغفارُ متكبِّرٍ مع صولة طائع؟!

في الاستغفار الوقائي:

وهو الاستغفار لما لا تعلم من الذنوب التي تفرط منك دون أن تشعر، وكثيرة هي......

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):

« الشركُ في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل».

فقال أبو بكر: فكيف الخلاصُ منه يا رسول الله؟ قال: أن تقول:

« اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك أن أُشركَ بك وأنا أعلمُ، وأستغفرُك لِما لا أعلم»( ).

5. الاستغفار الواعي:

قال جمال الدين القاسمي:

« واعلم أنه ليس كل استغفار نافعًا، ففي الخبر: المستغفر من الذنب وهو مُصِرٌّ عليه كالمستهزئ بآيات الله، وقال بعض السلف: الاستغفار باللسان توبة الكذابين، وقالت رابعة: استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير؛ وذلك لأن الاستغفار الذي هو توبة الكذابين هو الاستغفار بمجرد اللسان من غير أن يكون للقلب فيه شَرِكَة، كما يقول الإنسان بحكم العادة وعن رأس الغفلة: «أستغفر الله» ، وكما يقول إذا سمع صفة النار: «نعوذ بالله منها» من غير أن يتأثَّر به قلبه، وهذا يرجع إلى مجرد حركة اللسان، ولا جدوى له»( )."

سادسًا: فادعوه بها عبادة وعملًا

الأول: عليك بكثرة الاستغفار بنوعيه

والاستغفار نوعان: الاستغفار الوقائي العام، والاستغفار العلاجي الخاص.

الاستغفار العام: هو الذي يحتاط به العبد من الذنب قبل وقوعه، ويقضي به على خواطر النفس وهواها، ويكبحها عن طغيانها.

أما الاستغفار الخاص: فيبادر فيه العبد فور الوقوع في العصيان، أو إذا استجاب للشيطان في لحظة شهوة أو نسيان، فمهما بلغت عظمة الذنب، فإن باب (الغفور) لا يُغلَق.

استغفار الحبيب

ولم الاستغفار، وهو (صلى الله عليه وسلم) المعصوم من الذنوب؟!

سببان:

أحدهما: تعليمًا لأمته لأهمية الاستغفار، وضرورة المداوامة عليه.

الثاني:  أنه  كان يستغفر لِنَفسه عن تقصير الطَّاعاتِ لا الذُّنوب، فرُبَّما شُغِل بِطاعة عن طاعة، كما شُغِلَ (صلى الله عليه وسلم) عن الرَّكعتين بعد الظُّهْر بِوفد تميم، فصلَّاهما بعد العصر، فكان استغفاره لِلتقصير في طاعة انشغالًا بطاعة أخرى.

 في حديث عبد الله بن عمر :

« إن كنا لنعد لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) في المجلس يقول: (رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الغفور مائة مرة)»( ).

وفي رواية أبي داود:

«رب اغفر لي وتُبْ عليَّ؛ إنك انت التواب الرحيم »( ).

 وفي الحديث: «استغفروا ربكم، إني استغفر الله وأتوب إليه كل يوم مئة مرة»( ).

 وأتمُّ صيغ الاستغفار أنْ يبدأ العبدُ بالثَّناء على ربِّه، ثم يثني بالاعتراف بذنبه، ثم يسأل الله المغفرة، وأكملها ما ثبت في صحيح البخاري عن شدَّاد بن أوس  عن النبيِّ (صلى الله عليه وسلم) قال:

« سيِّدُ الاستغفار أن يقول العبدُ: اللَّهمَّ أنت ربِّي لا إله إلاَّ أنت، خلقتني وأنا عبدُك، وأنا على عهدِك ووعدِكَ ما استطعتُ، أعوذُ بك من شرِّ ما صنعتُ، أبوء لك بنعمَتِك عليَّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنَّه لا يغفرُ الذنوبَ إلاَّ أنتَ»( ).

ولأنه دعاءٌ عظيم كان ثوابه عظيمًا، فمن قال هذا الدعاء نهارًا، فمات من يومه دخل الجنة، ومن قاله حين يمسي فمات من ليلته دخل الجنة.

 وظل ديدن النبي (صلى الله عليه وسلم) الاستغفار حتى وهو على فراش الموت! فقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنَّها سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأصْغَت إليه قبل أن يموت وهو مسنِدٌ إليها ظهرَه، يقول:

« اللَّهمَّ اغفر لي وارحمني وألحِقني بالرفيق الأعلى»( ).

استغفار الصدِّيق الأشهر

سأل أبو بكر الصديق  النبي (صلى الله عليه وسلم) دعاء يدعو به في صلاته (وهو دعاء قيَّده بعض العلماء بعقب التشهد)، فقال له:

« قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، وإنه لا يغفر الذنوب إلَّا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم»( ).

فعلَّمه النبي (صلى الله عليه وسلم)  هذا الدعاء الذي هو من جوامع الدعاء، ومن أفضل صيغ الاستغفار، وأكثرها تأثيرًا على القلب وتهذيبًا له، وأرجاها للفوز بالمغفرة والرحمة.

الثاني: ما أجمل التيسير على الناس

فمن يسَّر على الناس نال أجره في الآخرة: مغفرة الذنوب من ستّار العيوب.

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):

«غَفَر الله لرجل ممن كان قبلكم، كان سهلًا إذا باع، سهلًا إذا اشترى، سهلًا إذا اقتضى»( )

الثالث: أكثِر من الحسنات

وذلك إن أردت حصول المغفرة؛ لأنها من أسباب حصول مغفرة الله للسيئات السالفة ومحوه للذنوب المهلكة، قال الله عز وجل: (( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)) (هود: 114)، وقال سبحانه: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى)) (طه: 82).

قال الرافعي في ضوء فهمه لدور الحسنات الفعال في محو السيئات:

« إن كنتَ أصبتَ في الساعات التي مَضَت، فاجتهِد للساعات التي تتلو، وإن كنت أخطأت، فكفِّر وامْحُ ساعة بساعة، الزمن يمحو الزمن، والعمل يُغيِّر العمل»( )

الرابع: لا تغتر باستغفارك

إن معرفتك لاسم الله (الغفور) ليس معناه أن يسرف العبد في الخطايا والذنوب ويتجرأ على العصيان؛ لأن المغفرة لا تكون إلا بشروطها وانتفاء موانعها

الخامس: اعفُ عن المسيء

ومن عرف ربه (الغفور) غفر للآخرين، وعفا عن المسيئين.

قال سبحانه في صفات المتقين: ((  وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ )) (آل عمران: 134).

يقول ابن القيم في سرده لبعض حِكَم التخلية بين العبد وبين الذنب:

«الحادي عشر: أن يعامل عباده في إساءتهم إليه وزلاتهم معه، بما يحب أن يعامله الله به»( ).

السادس: استر ولا تفضح

المؤمن يعامل الناس بما يعامله به ربه، فيحب الستر، ويكره أن يكون سببًا في فضيحة غيره، ويستر المذنب بطرف ثوبه، ويتمنى لو أحسن وتاب في السر كما أساء في السر. قيل لأبي تميمة الْهُجَيْمِيِّ:

كيف أصبحت؟

قال:

« أصبحتُ بين نعمتين أميل بينهما، لا أدري أيتهما أفضل ما ستره الله علي، فلا أخاف أن يرميني به أحد، ومودة رزقني من الناس بعزة ربي ما بلغه عملي»( ).

عرف ربه الغفور مَن استر غيره، ولم يسعَ لفضحه بين الناس؛ رجاء أن يعامله الله بالمثل.

ما عرف ربه الغفور مَن فضح عبده، وأحب شيوع فضيحته في الملأ حوله.

‏ثامنًا: فادعوه بها مسألة وطلبًا

اللهم إني أستغفرك من كل ذنب تُبْتُ إليك منه ثم عُدت إليه.

وأستغفرك من كل ما وعدتك به من نفسي ولم أُوَفِّ لك به.

وأستغفرك من كل عملٍ أردتُ به وجهك فخالطه غيرك.

وأستغفرك من كل نعمة أنعمت بها عليَّ فاستعنت بها على معصيتك.

وأستغفرك يا عالم الغيب والشهادة من كل ذنب أتيته في ضِياء النهار وسواد الليل؛ في ملأ أو خلاء؛ وسِرٍّ وعلانية.

أسألك باسمك الغفور..

شفيعي لديك إقراري بذنبي، وحجتي لديك انقطاع حجتي! يا كريما واسع المغفرة إذا ضاقت بالمسيء المعذرة.

أسألك باسمك الغفور..

أخرست المعاصي لساني، فما لي وسيلةٌ عن عملٍ ولا شفيعٍ سوى الأمل.

أسألك باسمك الغفور..

لم تُبقِ ذنوبي لي عندك جاها ولا للاعتذار وجها، ولكنك أكرم الأكرمين والغفور الرحيم.

أسألك باسمك الغفور..

ذنوبي وإن كانت عظاما ولكنها صغارٌ في جنب عفوك، فهَبْها لي يا خير الغافرين.

أسألك باسمك الغفور..

أنا العوّاد إلى الذنوب، وأنت العوّاد بالمغفرة.. أنا العبد وأنت الرب!

أنا الهاتك سترك بالسيئات، وأنت المسبل عليَّ سترك في الخلوات..


أسألك باسمك الغفور..

ما أمرْتَنا بالاستغفار إلا وأنت تريد المغفرة، ولولا كرمك علينا ما ألهمتَنا المعذرة.

أسألك باسمك الغفور..

استغفاري مع إصراري لؤم، وتركي الاستغفار مع معرفتي بسعة رحمتك عجز، فأنا بين اللؤم والعجز أتقلَّب، وأنت بالمغفرة والرحمة تتفضَّل.

أسألك باسمك الغفور..

يا مبتدئ النوال قبل السؤال، وواهب الإفضال فوق الآمال، ونحن لا نرجو إلا غفرانك، ولا نطلب إلا إحسانك ...

أسألك باسمك الغفور..

أنت المحسن وأنا المسيء، وعادة المحسن إتمام الإحسان، وعادة المسيء الاعتراف بالعدوان.

أسألك باسمك الغفور..

إن كنا لا نقدر على التوبة والاستغفار، فأنت تقدر على الرحمة ومغفرة الأوزار.

أسألك باسمك الغفور..

كما مننت علينا بالستر والعافية حَال الذَّنب والأوزار، فلا تَحْرِمنَا المغفرة والرَّحمة حال الذُّلِّ والافتقار.


تاسعًا: حاسب نفسك.. تعرف ربَّك

- هل تُسرِع إلى التوبة والاستغفار فور وقوع الذنب، أم يتأخر ذلك منك؟

- هل تستغفر الله لما لا تعلمه كما تستغفره لما تعلمه؟

- هل تذكر دعاء كفارة المجلس في ختام كل مجلس؟

- هل تستغفر ربك بحضور قلب، واستجلاب دمع؟!

- هل تتجاوز عن المعسرين طمعًا في أن يعاملك الله بالمثل؛ فيتجاوز عنك؟

- هل تنوي بكل عملٍ صالح محو ذنب وتكفير خطيئة؟

- هل تحافظ على سيد الاستغفار كل يوم وليلة؛ طمعًا في الفوز بالجنة؟!

 

قال الخطابي: « فالغفار: الستار لذنوب عباده، والمُسدِل عليهم ثوب عطفه ورأفته، ومعنى الستر في هذا: أنه لا يكشف أمر العبد لخلقه، ولا يهتك ستره بالعقوبة التي تُشهِره في عيونهم»(1).

ثم فصَّل أبو حامد في توضيح الفارق بين العفو والغفور فأجاد:

« العفُوُّ الذي يمحو السيئات ويتجاوز عن المعاصي، وهو قريبٌ من الغفور، ولكنه أبلغ منه، وإن الغفران ينبني عن الستر، والعفو ينبني عن المحو، والمحو أبلغ من الستر»(2).

« قال الله تعالى ]في الحديث القدسي[: من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب، غفرت له ولا أبالي ما لم يشرك بي شيئًا»(3).


شارك برأيك في الكتاب

ملحوظة: لو كنت من أعضاء الموقع ، فقم بتسجيل الدخول ثم أضف مشاركتك ، أما لو كنت ضيفا فيمكنك المشاركة مباشرة دون تسجيل بوضع بريدك الالكتورني واسمك ثم المشاركة مباشرة

 

شارك في صنع الكتاب بآرائك


مود الحماية
تحديث

 
#8 احمد شريف الخميس, 31 مارس 2016
تسلم ايدك و جزاك الله خيرا أنا استأذنك هنشره على دفعات فى صفحة
اقتباس
 
 
#7 amr goda الخميس, 10 مارس 2016
wonderful
اقتباس
 
 
#6 om sara sara السبت, 30 يناير 2016
أستغفر الله العظيم الذى لا اله الا هو الحى القيوم وأتوب اليه
اقتباس
 
 
#5 أحمد شعبان السبت, 28 نوفمبر 2015
ما شاء الله جميله
اقتباس
 
 
#4 نورجينا مجدى السبت, 24 أكتوبر 2015
و من علامات حب الله ايضا ان يمن عليه بالدين
* قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وإن الله -عز وجل- يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن يحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، "
اقتباس
 
 
#3 نورجينا مجدى الجمعة, 23 أكتوبر 2015
كما ان الله يحب
* التوابين. و المتطهرين " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِي نَ"
* المتقين " بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ "
* المحسنين " وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ "
* المتوكلين. "فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِي نَ "
* المقسطين " فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ "
* الصابرين "و اللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ "
* الذين يقاتلون فى سبيله صفا كل
اقتباس
 
 
#2 رشا سعد الأحد, 11 أكتوبر 2015
ممكن حضرتك تجمعلنا الأحاديث والايات التي توجب رحمة الله مكتوبة سواء هنا او في حساب الفيس بوك؟
اقتباس
 
 
#1 اميرة 22 الجمعة, 02 أكتوبر 2015
السلام عليكم اعجبتني كثيرا هذا الموضوع وجزاكم الله خيرا واسال الله ان ينفعنا به
اقتباس