اضغط كليك يمين ثم حفظ

الحق

قل الحق ولو كان مُرًّا، واحمل رايته ولو كنت وحدك

أولًا: معنى اسم الله الحق:

كلمة الحق تشير إلى اكتمال الصفات المطلوبة في الشيء ليكون نافعًا تامًّا على الوجه الأكمل بغير عيب ولا نقصان (الحِقُّ والأحَقُّ من الإبل- ثوب مُحقَّق- طعنة محققة- مقاتل مُحتَقُّ).

ولله المثل الأعلى، فهو (الحق) سبحانه الذي له صفات الربوبية الكاملة (الخلق الرزق العلم- الحكمة- القدرة- الحفظ)، وهو المنزَّه عن النقص والعيب والمثيل.

معناه في حق الله:

الحق له معنيان:

الأول: الوجود الثابت.

والثاني: المقصود النافع.

والباطل نوعان أيضًا:

أحدهما: المعدوم.

الثاني: ما ليس بنافع ولا مفيد.

يقول الشيخ السعدي:

«(الحق) في ذاته وصفاته، فهو واجب الوجود، كامل الصفات والنعوت، وجوده من لوازم ذاته، ولا وجود لشيء من الأشياء إلا به، فهو الذي لم يزل ولا يزال بالجلال والجمال والكمال موصوفًا»(1).

و أصل معني الحق : الثابت الذي لا يتغير ..
ولذلك تُقاس عليه الأشياء، فدوما يُقارَن المتغير بالثابت، والنوازل الحديثة بالحق القديم.

ومن أسماء الله سبحانه (الحق) الذي لا باطل يأتيه، وهو الباقي الذي لا يُغيِّره شيء، فالزم الحق لأنه الثابت، وما دونه فهو باطل وزائف.
فالحق لا يتغير ليتواءم مع من حوله أو الظروف التي تحيط به، بل على كل من حوله أن يُغيِّر نفسه ويدور في مدار (الحق) إن أراد أن يستقيم أمره ويعلو شأنه، وإلا خاب وخسر، و بذلك ننهل من معين هذه الآية بشكل أفضل : (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم).
والمطلوب:

غيِّر نفسك لتقترب من مراد (الحق) وما يجب أن تكون عليه، وعندها يتدخل (الحق) سيغيِّر ما نزل بك، ولو كان مستحيلًا!
ثانيًا: تعرف على الحق بهذا الدعاء

ومن الدعاء باسم الله (الحق) ما يغرس في النفس الإيمان بكل ما يستوجبه هذا الاسم، فقد صحَّ أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان إذا قام من الليل يتهجد قال:

(اللهمَّ لكَ الحمْدُ أنت قيِّم السَّمَاواتِ والأرض ومَن فِيهن، ولكَ الحمْدُ لكَ ملك السَّمَاواتِ والأرض ومَن فِيهن، ولكَ الحمْدُ أنت نورُ السَّمَاواتِ والأرض، ولكَ الحمْدُ، أنت الحق، ووعْدُكَ الحق، ولقاؤُكَ حق، وقولكَ حق، والجَنة حق، والنارُ حق، والنبيون حق، ومحمَّدٌ (صلى الله عليه وسلم) حق، والسَّاعة حق، اللهمَّ لكَ أسلمْت وبكَ آمَنت، وعليْكَ توكَّلت، وإليْكَ أنبْت، وبكَ خاصَمْت، وإليْكَ حاكَمْت، فاغفِر لي مَا قدمْت ومَا أخرت، ومَا أسرَرت ومَا أعْلنت، أنت المقدِّم وأنت المؤَخرُ، لا إلهَ إلا أنت) (2).

(أنت الحق): أي المتحقق الوجود الثابت بلا شك فيه. قال القرطبي: هذا الوصف له سبحانه وتعالى بالحقيقة خاص به لا ينبغي لغيره إذ وجوده لنفسه، فلم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم بخلاف غيره، فلا يلحقه زوال أو فناء، وكل أوصاف الحق كاملة جامعة للكمال والجمال والعظمة والجلال.

(ووعدك الحق): أي الثابت المتحقِّق، فلا يعتريه خُلْف، ولا ذرة شك في وقوعه.

(ولقاؤك حق): وفيه الإقرار بالبعث بعد الموت، وهو مآل كل الخلق في الدار الآخرة للجزاء على أعمالهم، ولقاؤه يتضمن رؤيته، والوقوف بين يديه، فلقاؤه غير وعده.

(وقولك حق): أي مدلوله ثابت لأن قوله قديم وليس بمخلوق فيبيد، فكلامه حقائق مطلقة لا تتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص، وأقواله قوانين راسخة تسير أحداث الكون كله وِفقها.

الجنة حق والنار حق): في هذا إشارة إلى أنهما موجودتان الآن تتجهَّزان وتنتظران السكنى من أهل النعيم وأصحاب الجحيم.

(والنبيون حق): وإن لم نرهم لكننا نؤمن بهم كما أخبر بذلك (الحق) في كتابه.

(ومحمد (صلى الله عليه وسلم) حق): خصَّه بالذكر تعظيمًا له، وعطَفَه على النبيين إيذانًا بأنه يفوقهم بالأوصاف التي اختصه بها  الله.

(والساعة حق): أي يوم القيامة قادم لا محالة، وقد عبَّر عن حتمية هذا اليوم في القرآن بقوله: (ربنا إنك جامع الناس ليومٍ لا ريب فيه).

وإطلاق اسم (الحق) على ما سبق معناه أنه لا بد من كونها، وأنها مما يجب أن يصدِّقه المؤمن ويوقن به، وتكرار لفظ (حق) للمبالغة في تأكيدها، فمن أنكر شيئًا من ذلك، فما عرف ربَّه (الحق) تمام المعرفة.

ثالثًا: فادعوه بها عبادة وعملًا

(أين أنت من الحق؟)

  • اعرف الحق

من عرف (الحق) فقد عرف كل شيء، ومن فاته معرفة (الحق) فقد كل شيء، ومن جميل دعاء أبي بكر الصديق [Symbol] الذي رفع فيه راية فقره وأعلى به صرخة استغاثته إلى ربه:

«اللهم أرِنا الحق حقًّا فنتبعه، والباطل باطلًا فنجتنبه، ولا تجعل ذلك علينا متشابهًا، فنتبع الهوى»(3).

وإن معرفة الحق تحتاج إلى جهد ومشقة، وانظر ما بذل سلمان الفارسي [Symbol] في سبيل البحث عن (الحق)، وانظر ما يبذله الذين يدخلون في الإسلام من جهد وبحث للتعرف على الحق.

لكن معرفة الحق ليست نهاية المطاف، بل لابد بعدها من اتباع الحق، فقد يُصاب القلب بالكِبر وهو بَطَر الحق، فيرفض اتباعه، والعقوبة عندها هائلة من الله: لا يدخل الجنة من كان في قلبه ذرة من كبر .. نعم ذرة!

وآفة أخرى وهي..

  • لا يلتبِس عليك الحق

إن أعظم الخذلان أن تظن نفسك على الحق وأنت على الباطل، وهذا الذي أهلك كثيرًا من الناس اليوم، ومما ساعد على هذا:

تلبيس وسائل الإعلام الماكرة المضللة التي لبَّسَت على الناس دينهم، وخلطت الحق بالباطل، وقلبت الحقائق، فأظهرت الحق في صورة الباطل، والباطل في هيئة الحق، ومن ثم تشويهه وتشويه حملته والداعين إليه.

وساعد على هذا التلبيس: سكوت كثير من العلماء عن النطق بكلمة الحق، وخاصة في نوازل الأمة وما حلَّ بها، وحين سكتت الأسود عدَت الذئاب على الغنم، فافترسوا إيمان العوام، وتكلم الرويبضات في أمر العامة، والأدهى والأمَرُّ أن من أهل العلم من ساهم في هذا التلبيس حين سمَّى الأمور بغير أسمائها، وأنزل النوازل غير منازلها، فضلَّ وأضلَّ، وبرَّر للظالم ظلمه، وللمفسد فساده، وشاركه فيه، فإذا عوتب في ذلك انتصر لنفسه وأرغد وأزبد! ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ)) [البقرة : 11 ، 12

عرف ربه الحق من عرف الحق فلزمه، ودعا الله أن يُثبِّته ويتوفاه عليه.

ما عرف ربه الحق من التبس عليه الحق، فالتزم الباطل وهو يظن أنه الحق.

  • لا تقصِّر في العمل بالحق

أو الأخذ بعضه دون بعضه. قال ابن القيِّم:

(إن العبد كثيرًا ما يترك واجبات لا يعلم بها، ولا بوجوبها، فيكون مقصِّرًا فى العلم، وكثيرًا ما يتركها بعد العلم بها وبوجوبها، إما كسلًا وتهاونًا، وإما لنوع تأويل باطل، أو تقليد، أو لظنه أنه مشتغل بما هو أوجب منها، أو لغير ذلك، فواجبات القلوب أشد وجوبًا من واجبات الأبدان، وآكد منها.

فتراه يتحرج من ترك فرض أو من ترك واجب من واجبات البدن، وقد ترك ما هو أهم من واجبات القلوب وأفرضها، ويتحرج من فعل أدنى المحرمات وقد ارتكب من محرمات القلوب ما هو أشد تحريمًا وأعظم إثمًا.

بل ما أكثر من يتعبد لله عز وجل بترك ما أوجب عليه، فيتخلى وينقطع عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، مع قدرته عليه، وبزعم أنه متقرب إلى الله تعالى بذلك، مجتمع على ربه، تارك ما لا يعنيه، فهذا من أمقت الخلق إلى الله تعالى، وأبغضهم له، مع ظنه أنه قائم بحقائق الإيمان وشرائع الإسلام وأنه من خواص أوليائه وحزبه)(4).

  • الزم أهل الحق

ومن علامات اتباع الحق: اتباع أهله وكراهية أعدائه.

قال ابن عقيل:

(إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة)(5).

والصحبة تُعدي، ولذلك قلَّ أن تجد صالحًا وسط أهل غفلة إلا وغيَّروه.

عرف ربه الحق من أحب أهل الحق وولاهم فيه.

ما عرف ربه الحق من جفا أهل الحق وخاصمهم وعاداهم.

عرَف ربه الحق من عادى أهل الباطل وكرههم لما هم فيه.

ما عرَف ربه الحق من والى أهل الباطل وركن إليهم.

  • اثبت على الحق

أخرجه مسلم من حديث ثوبان[Symbol] قال: قال رسُول الله (صلى الله عليه وسلم):

«لا تزالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظاهرين على الْحَقِّ لا يضُرُّهُم من خذلهم حتَّى يأْتِي أمر الله وهم كذلك».

ظاهرين على الحق أي أنهم غالبون له ومستمسكون به.

إن المواجهة بين الحق والباطل دائمة لا تتوقف لحظة، ولن تهدأ أبدًا ما دام الليل والنهار، وسنة الله في هذا الصراع وحسمه موجزة في قوله: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه).

فإذا تمسَّك أهل الحق بالحق دمغوا الباطل وغلبوا أهله، فإن شاب حقهم بعض الباطل ضعف تأثيرهم، فعلا عليهم الباطل، وإن من صفات الباطل الثابتة أنه زهوق، فإذا غلب، فما هذا لقوته بل لعيب في حملة الحق الذين يواجهونه.

  • انطق بكلمة الحق

ويكون ذلك أوجب وأعظم أجرًا في الحالات التالية:

  • قول الحق ولو رأيت فيه الهلاك

قال الجنيد:

«حقيقة الصدق أَن تصدق فِي مواطن لا ينجيك منها إلا الكذب»(6).

وما أخرج آدم وحواء من الجنة إلا الكذب، كذب إبليس. قال سبحانه عن إبليس: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 21].

عرف ربه الحق من نطق بكلمة الحق ولو على نفسه والوالدين والأقربين.

ما عرف ربه الحق من سكت عن النطق بكلمة الحق خوفًا أو طمعًا.

  • في وجه الظالمين لإظهار الحق..

فإن أفضل الجهاد كلمة حق في وجه سلطان جائر، وسيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله..

إن كلمة الحق في وجه الطغاة مُرًّة .. لا يقوى على قولها إلا القلة، فلم يخش قائلوها السيوف المسلَّطة، ولا المصير المظلم، ولا السجون المنتظرة، ولا السياط الملتهبة، بل نظروا فحسب إلى الحق الذي رفعوه؛ ولذا كانت كلمتهم أفضل الجهاد.

وهي وصية النبي لأبي ذر [Symbol] حيث قال:

«أمرني خليلِي (صلى الله عليه وسلم) بِسَبْعٍ: ...، وأمرَني أن أقول بِالْحَقِّ وإن كان مُرًّا، وأمرَني أن لا أخاف في اللهِ لوْمة لائم»(7).

ومن فوائد المجاهرة بكلمة الحق وعدم إسرارها أن يثق الناس بالعالم وعلمه، فلا يقولون: داهن أو نافق أو سكت عن الحق، بل يعرفون أنه قال بملء فيه ما يمليه عليه دينه.

ومن فوائد الجهر بكلمة الحق أن يشجِّع غيره على الإنكار إن رأى اعوجاجًا، فإن كثيرًا من الناس يقولون: إن سكت العالم فليسكت غيره من باب أوْلى.

ومن فوائد الجهر بكلمة الحق أن يزداد وعي الأمة، وتصبح قوة مؤثرة فعالة، ولكل فرد منها قيمته، ومكانته ورأيه، وليسوا مجرد أصفار لا يشاركون بالرأي والمشورة.

عرف ربه من نطق بكلمة الحق ولو كان في ظاهرها إيذاؤه ومضرَّته.

ما عرف ربه من سكت عن النطق بكلمة الحق، فصار شيطانًا أخرس.

  • كلمة الحق في الغضب

في الدعاء النبوي:

«وأسألُك كلمةَ الحقِّ في الرِّضَا والغضب».

وقليلٌ من يفعله! فقول الحق في الناس حال الغضب عزيز؛ لأنَّ الغضبَ يحمل صاحبه على أن يقول خلافَ الحق ويفعل غير العدل، ومَن نطق بالحقَّ في حالتي الغضب والرضا، فهو دليل شدة إيمانه بالله (الحق)، فيعلو مقامه بين الخلق.

  • كلمة الحق وإن لم تر لها أثرًا

كل كلمة حقٍ مؤثِّرَة، لكن لا يلزم أن يظهر أثرها على الفور، فقد تؤثر أثرًا بسيطًا لا تراه، فيتكلم غيرك بكلمة أخرى، فتنضم إلى كلمتك، وتتوالى المؤثِّرات حتى تأخذ بيد العبد إلى شاطئ الهداية، ولذلك تجد كثيرًا من الناس يهتدي لطريق الحق فجأة دون سببٍ ظاهر، وما هذا إلا لأن القوم تأثروا بمجموعة مؤثرات: سمعوا نصيحة هنا، ثم تلتها أخرى، ثم حضروا محاضرة، ثم قرأوا كتابًا، أو عاينوا جنازة، وهكذا تتابعت طَرَقات أبواب القلوب حتى فتح الله مغاليق القلوب للحق، فارتووا من نهر الهداية.

وعلى من وثق بوعد الله (الحق) أن لا يتردد يومًا ولا يتأخر أبدًا عن النطق بكلمة (الحق)، بل يثق أن ثمرتها ستنمو بفضل ربها، وإن لم ير ذلك بعيني رأسه، لكن عيني قلبه تبصران!

  • اعدِل ولا تظلم

العدل هو إقامة الحق، والمؤمن أعدل الناس، وكيف لا؟! وإن سورة كاملة في القرآن كان من أهم مقاصدها إقامة العدل، وتربية المؤمنين عليه، وسمِّيت هذه السورة بسورة الضعفاء وهي سورة النساء؛ لأنها جاءت لحفظ حقوق  النساء والأبناء وأهل الكتاب، وأداء هذه الحقوق (ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين)؛ ولذا تضمنت أحكام المواريث..

كان عبد الله بن رواحة يقول مخاطبًا اليهود رافعًا راية العدل الذي قامت به السماوات والأرض:

«يا معشر اليهود، والله إنكم لمن أبغض خلق الله إليَّ، وما ذاك يحمِلُني أن أحيف عليكم، قالوا: بِهذا قامت السموات والأرض»(8).

  • تواصوا بالحق واصبروا عليه

كل الناس فى خسر، إلا من كمَّل قوته العلمية بالإيمان بالله، وقوته العملية بطاعة الله، فبهذين كمال نفسه، ثم لم يكتف بنفسه حتى سعى في كمال غيره بتوصيته بذلك (وتواصوا بالحق).

ولأن النفس ملولة قد تتخلى عن الحق بعد أن تصل إليه، فقد جاء الأمر بالصبر (وتواصوا بالصبر).

وقد جمع الله بينهما في قوله:

{وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 3].

إن التواصي بالحق هو الكفيل بغرس اليقين في القلب ودفع (الشبهات)، والتواصي بالصبر هو الكفيل بغرس العزيمة ودفع (الشهوات)، وبالصبر واليقين تُنال الإمامة فى الدين كما أخبر بذلك رب العالمين:

(وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون).

  • ثق في وعد الحق

تعاملك مع وعود (الحق) لابد أن يكون بالقبول التام والتصديق الذي لا يخالطه أدنى ريبة أو شك في كل ما أخبر به من الغيبيات؛ لأنها حق وصدق: [Symbol] وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًًا [Symbol] [النساء: 87].

فالله وعده حق، ولن يخلف وعده، ومما وعد به وكتبه على نفسه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾[الروم:47.

  • إياك والوهم

ومما يضاد الحق: الوهم، ومن حكم ابن عطاء الله السكندري:

«ما قادك مثل الوهم».

وهذه الأوهام غمَرت أكثر الناس اليوم، فيُخيَّل إليهم عكس الحق، ويظنون أن من حولهم يملك ضرهم ونفعهم، وأن الأسباب التي يستعملونها ذات قيمة وفاعلية حقيقية، وأن الجود مفقِر، وأن كلمة الحق تمنع الرزق وتقصِّر الأجل، وأن الزمن زمان فتن والدين يسر فلا مانع من فتح بوابة الحرام قليلًا، وأن الحجاب الشرعي يضيِّع فرص إقبال الخاطبين، وغير ذلك من الأوهام التي تغشى قلوب من لا يعرفون (الحق).

  • تواضع للحق مع الانقياد له

لأن الخير كله في الحق، وليس بعد الحق إلا الضلال، ومن ردَّ الحق بعد بيانه فهو متكبِّرٌ ظالم لنفسه.

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):

(الكبر بطر الحق وغمط الناس)(9).

يقول الإمام ابن القيم وهو يبيِّن إذلال الله لمن تكبَّر عن اتباع الحق:

«كما أن من تواضَع لله رفعه، فكذلك من تكبَّر عن الانقياد للحق أذله الله ووضعه وصغَّره وحقَّره، ومن تكبَّر عن الانقياد للحق- ولو جاء على يد صغير، أو من يبغضه أو يعاديه- فإنما تكبره على الله، فإن الله هو (الحق)، وكلامه حق؛ ودينه حق، والحق صفته ومنه وله، فإذا ردَّه العبد، وتكبر عن قبوله، فإنما ردَّ على الله، وتكبَّر عليه» (10).

  • اصدق التوكل على (الحق)

والارتباط جد وثيق بين (الحق) وبين التوكل على الله. قال الله عز وجل: [Symbol]فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ[Symbol][النمل: 79]

{إِنَّكَ عَلَى الحق المبين} تعليلٌ صريحٌ للتَّوكلِ على الله بكونه عليه الصلاة والسلام على الحقِّ البيِّنِ، وكل من كان على الحق فيجب عليه الوثوق بحفظِ الله وكفايته ونُصرتِه وتأييدِه لا محالة، (فإن الله هو (الحق)، وهو ولي الحق، وناصره، ومؤيِّده، وكافي من قام به، فما لصاحب الحق ألا يتوكل عليه؟!

وكيف يخاف من كان على الحق؟!

كما قالت الرسل لقومهم: [Symbol]وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ[Symbol] [إبراهيم: 12].

  • ثق أن الحق ينصر أولياءه

ثق أن الحق منتصر مهما طالت فترة الصراع بين الحق والباطل، ومهما التبس على الكثيرين أو خذله جمهور المستغفَلين، فإن (الحق) ينصر أهل الحق، ومن رفع لواء الحق.

ولا تغترَّ بانتفاش الباطل وزبده في وقت من الأوقات فإنه ذاهب، ولكن الله عز وجل يبتلي به العباد ليعلم المؤمن الصادق من المنافق أو ضعيف الإيمان الذين يبهرهم زبد الباطل، فيرتابون في وعد الله ونصرته لأوليائه.

  • استمتع باليقين

لو كانت نسبة تكذيب الخبر عندك أكبر من نسبة التصديق، فهذا هو الوهم.

وإذا تساوَت نسبة التكذيب مع نسبة التصديق، فهذه مرتبة الشك.

وإن كانت نسبة التصديق في القلب أكبر من نسبة التكذيب، فهذا هو الظن.

وأعلى المراتب مرتبة اليقين والتي يكون فيه القلب مشبعًا بالتصديق، فلا وهم ولا شك ولا ظن، وهذا عين (الحق)، ويُسمَّى في القرآن والأحاديث بعلم اليقين.

ومن هذا اليقين: إيمانك بالجنة والنار والحساب، فلابد أن يكون قطعيًّا لا وهميًّا ولا شكِّيًّا ولا ظنيًّا.

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا..

رابعًا: فادعوه بها مسألة وطلبًا

أسألك باسمك الحق..

أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.

أسألك باسمك الحق..

اجعلنا من أهل الحق، وعونا لأهل الحق، ولا تجعلنا على الباطل، واجعلنا أعداءً لأهل الباطل.

أسألك باسمك الحق..

ارزقنا كلمة الحق ولو كان مُرًّا، ولو على الوالدين أو الأقربين.

أسألك باسمك الحق..

ارزقنا مودة أهل الحق وعونهم ونصحهم وموالاتهم.

أسألك باسمك الحق..

ارزقنا الخضوع للحق وإنفاذه ولو كان على حساب نفوسنا ومصلحتنا.

أسألك باسمك الحق..

ارزقنا اليقين بوعدك الحق إنك أنت الحق.

أسألك باسمك الحق..

ارزقنا كلمة الحق في الغضب والرضا، مع من نحب ومن نبغض.

خامسًا: حاسب نفسك تعرف ربَّك

  • هل تدعو الله أن يُرشِدك إلى الحق إذا التبس عليك؟

  • هل تراجع نفسك في التزام الحق بكل أوامره، وترك الباطل بكل جوانبه؟


شارك برأيك في الكتاب

ملحوظة: لو كنت من أعضاء الموقع ، فقم بتسجيل الدخول ثم أضف مشاركتك ، أما لو كنت ضيفا فيمكنك المشاركة مباشرة دون تسجيل بوضع بريدك الالكتورني واسمك ثم المشاركة مباشرة

 

شارك في صنع الكتاب بآرائك


مود الحماية
تحديث

 
#8 احمد شريف الخميس, 31 مارس 2016
تسلم ايدك و جزاك الله خيرا أنا استأذنك هنشره على دفعات فى صفحة
اقتباس
 
 
#7 amr goda الخميس, 10 مارس 2016
wonderful
اقتباس
 
 
#6 om sara sara السبت, 30 يناير 2016
أستغفر الله العظيم الذى لا اله الا هو الحى القيوم وأتوب اليه
اقتباس
 
 
#5 أحمد شعبان السبت, 28 نوفمبر 2015
ما شاء الله جميله
اقتباس
 
 
#4 نورجينا مجدى السبت, 24 أكتوبر 2015
و من علامات حب الله ايضا ان يمن عليه بالدين
* قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وإن الله -عز وجل- يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن يحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، "
اقتباس
 
 
#3 نورجينا مجدى الجمعة, 23 أكتوبر 2015
كما ان الله يحب
* التوابين. و المتطهرين " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِي نَ"
* المتقين " بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ "
* المحسنين " وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ "
* المتوكلين. "فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِي نَ "
* المقسطين " فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ "
* الصابرين "و اللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ "
* الذين يقاتلون فى سبيله صفا كل
اقتباس
 
 
#2 رشا سعد الأحد, 11 أكتوبر 2015
ممكن حضرتك تجمعلنا الأحاديث والايات التي توجب رحمة الله مكتوبة سواء هنا او في حساب الفيس بوك؟
اقتباس
 
 
#1 اميرة 22 الجمعة, 02 أكتوبر 2015
السلام عليكم اعجبتني كثيرا هذا الموضوع وجزاكم الله خيرا واسال الله ان ينفعنا به
اقتباس