اضغط كليك يمين ثم حفظ

الملك ( الجزء الاول)

لمن المُلك اليوم؟ لله

ورد اسم الملك في خمسة مواضع في القرآن، وورد اسم المليك في موضع واحد وهو سورة القمر: ﴿في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

والملك هو القادر على التصرف استقلالًا، فلا يرجع إلى أي جهة، ولا يحتاج أن يستشير أو يستأذن أحدًا في فعل من أفعاله، فهو الفعّال لما يريد، والملِكُ أَعَمُّ من المالك؛ فالمُلك صفةٌ لذاته، والمالكُ صفةٌ لفعله.

والذي يوصَف أنه مَلِكٌ يرجع وصفه هذا إلى ثلاثة أمور:

1. صفات الملك:

قال الزجاج:

«الملك: النافذ الأمر في مُلكِه، إذ ليس كل مالِكٍ ينفُذ أمره وتصرفه في ما يملكه، فالملك أعم من المالك، والله تعالى مالك المالكين كلهم، والمُلَّاك إنما استفادوا التصرف في أملاكهم من جهته تعالى»(1).

فأما غير الله، فيُسمّى مالكًا وملكًا على المجاز، والمراد بذلك: أنك مأذون لك في التصرُّف في مُلكِ الله، وأنه عارية مؤداة إليك بصورة مؤقَّتة.

والملِك الحق لا راد لقضائه، ولا معقِّب لحكمه، ولا ينازعه في ملكه أحد، وهذا الملك يشمل الملك الظاهر والملك الخفي (وهو ما يسمى بالملكوت)، كما يغطي الدائرة الزمانية الأوسع: الدنيا والآخرة.

لو كنت واحدًا من أعظم ملوك أهل الأرض، فهل تستطيع أن تتحمل مسائل مليون شخص مرة واحدة! خاصة لو كانت كل مسألة مختلفة عن الأخرى؟!

قطعًا لن تتحمل ذلك لأن ملكك ناقص؛ ولأنك لو أعطيت كل واحد غرضه فإن ملكك سينفد، فقارن هذا بقدرة الله الخارقة وهو الذي قال عن نفسه: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)

في صحيح مسلم:

«يا عِبادِي لَوْ أنَّ أوَّلَكُمْ وَآخِرَكُم وإنسَكُمْ وجِنَّكُمْ قاموا في صعيدٍ واحِد، فسألوني فأعْطَيتُ كلَّ إنسانٍ مسْألته ما نَقَص ذلك مِمَّا عِنْدي إلَّا كما ينقص الْمِخْيَطُ إذا أُدْخِل البحر».

قال السعد:

«وقيَّد السؤال بالاجتماع في صعيد واحد؛ لأن تزاحم الأسئلة، وترادف الناس في السؤال مع كثرتهم، وكثرة مطالبهم بما يُضجِر المسؤول منه، ويدهشه، وذلك يوجب حرمانهم، وتخييبهم، أي: تعسُّر إنجاح مطالبهم، وإسعاف مآرابهم.

وليس كذلك في حقه سبحانه وتعالى، وفيه إشارة إلى كمال قدرته سبحانه وتعالى، وكمال ملكه، وأن ملكه وخزائنه لا تنفد، ولا تنقص بالعطاء، ولو أعطى الأولين والآخرين من الجن والإنس جميع ما سألوه في مقام واحد»(2).

«وفي قوله «مسألته» إشارة إلى أنها مسألة خاصة لكل سائل، وأنهم لم يجتمعوا على مطلوب واحد»(3).

مسائل لا تُعَدُّ ولا تُحصى.. فهو يغفر ذنبًا، ويكشف كربًا، ويجيب داعيًا، ويفرِّج غمًّا، وينصر مظلومًا، ويفك عانيًا، ويغني فقيرًا، ويجبر كسيرًا، ويشفي مريضًا، ويقيل عثرة، ويستر عورة، ويعز ذليلًا، ويُذِل عزيزًا، ويعطي سائلًا، ويردُّ غائبًا، ويقصم ظالمًا..

لقد بلغ من عظمة هذا الحديث أن راوي الحديث أبا إدريس الخولاني كان إذا حدَّث به جثا على ركبتيه، وقد رواه عن أبي ذر [Symbol] الذي رواه كذلك جاثيًا على ركبته! فهو حديث مسلسل بالجثو على الرُّكب! ومِن فضله أن قال فيه الإمام أحمد:

ليس لأهل الشام حديث أشرف من هذا الحديث.

المتفرِّد بالسلب والعطاء

ومن صفات الملك أن يختص وحده بالسلب والعطاء، فإن إعطاء كل ملك أرضي أو نزعه لا يكون إلا لله..

قال ابن القيم:

«إن حقيقة الملك إِنما تتم بالعطاءِ والمنع..

والإِكرام والإِهانة..

والإِثابة والعقوبة..

والغضب والرضا..

والتولية والعزل..

وإِعزاز من يليق به العز، وإِذلال من يليق به الذل»(4).

قال الله عز وجل:

(قل اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)

وقد كرَّر (مالِكَ الْمُلْكِ) المشيئة في آية واحدة أربع مرات؛ لينزع الوهم الذي يعتري البعض أن مالكًا غير الله يتحكم في الأقدار!

بل الله وحده يتصرف في ملكه كيف ما يشاء، إيجادًا وإعدامًا وإحياء وإماتة وتعذيبًا وإثابة، من غير مشارك له ولا منازع ولا ممانع.

وكلمة (تُؤْتِي): تدل على أن ملكية غيره ما هي إلا بطريق المجاز، كما ينبئ عنه لفظ (الإيتاء) الذي هو مجرد إعطاء على سبيل (الإعارة)، أما الملكية المطلقة فلله وحده.

وإياك أن تظن أن أحدًا قد ملك من الدنيا شيئًا إلا بمشيئة الله، ولكن الناس إذا خرجوا عن طاعة الله سلَّط عليهم من يسومهم سوء العذاب عقوبة لهم ليتوبوا، والأمر كما قال الحسن البصري:

«الحَجَّاج عقوبة من الله لكم، فلا تقابلوا عقوبته بالسيف، وقابلوها بالاستغفار»(5).

وقال مالك بن دينار:

«كلما أحدثتم ذَنبًا أحدث الله لكم من سلطانكم عُقوبة»(6).

ثم جاءت الآية التي تليها لتدلل على ملك الله بمعالم واضحة محددة:

﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾

وذكر إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل، ومسألة الحياة والموت التي يعايشها الناس كل يوم أمام أعينهم بوضوح كامل، لتقول: من استعظم على قدرة الله أن يؤتي الملك وينزعه، ويعز ويُذِل، فليراجع هذه الآيات المتكررة يوميًّا والمشاهَدة لكل ذي عينين ليعتبر ويتعظ، ويعلم حقيقة المُلك الإلهي.

ولذا فالله وحده هو الملك الحق: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) [المؤمنون: 116] يعني: الذي يتصرَّف في مُلْكه كيف يشاء لا ينازعه فيه أحد، إنْ شاء بسط، وإنْ شاء نزع، فهو وحده الملك الحق.

ونفس لفظ (الإيتاء) جاء على لسان نبي الله يوسف عليه السلام الذي فهم علاقته بالُملك، وأنه ما هو إلا مستخلف فيه، فقال:

﴿رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ [ سورة يوسف: الآية 101[

عرف ربه من رآه وحده المعطي صاحب المُلْك، فما أذلَّ نفسه لغيره، ولا وقف إلا ببابه.

ما عرف ربه من أذلَّ نفسه للخلق، وتعلَّق بأبواب العبيد طمعًا ورغبًا.

من حقائق يوم القيامة

وهناك من العباد من يجهل حقيقة المُلْك، وسيظل يجهلها طوال حياته حتى يموت ويبعثه الله يوم القيامة، فيسمع الله عز وجل بنفسه يقرِّر الحقيقة الخالدة أمام الخلائق:

(لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار)

وفي الآخرة.. يعرف الناس كلهم حقيقة المُلك، والمُلكَ الحقيقي.. المؤمن والكافر.. البر والفاجر: {الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار} [غافر: 16] .

ليس فقط لأنهم سمعوا الملك ينادي، بل ولأنه يُنزَع منهم يوم القيامة كلُّ ما يملكونه، ويفقدون القدرة على التحكم في ما يملكون، وحتى جوارحهم يفقدون السيطرة عليها، فتشهد عليهم وتُحاجُّهم أمام الله.

وإليكم حديثين صريحين عن مشهدين من مشاهد القيامة، ويتجلى فيهما اسم الملك أمام الخلائق أجمعين في ساحة الحشر.

الحديث الأول:

في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال :

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):

(يطوي الله عز وجل السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول:

أنا الملك..

أين الجبارون؟!

أين المتكبرون؟!

ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول:

أنا الملك..

أين الجبارون؟!

أين المتكبرون؟!)(7).

الحديث الثاني:

عن عبد الله بن مسعود  رضي الله عنه قال:

«جاء حَبْرٌ من اليهود إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال:

يا محمد، إن الله يمسك السماوات يوم القيامة على أُصْبُع، والأرضين على أُصْبُع، والجبال والشجر على أُصْبُع، والماء والثرى على أُصْبُع، وسائر الخلق على أُصْبُع، ثم يهزُّهُن، فيقول: أنا الملك، أنا الله.

فضحِك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؛ تعجبًا مما قال الحبر تصديقًا له، ثم قرأ:

(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يشركُونَ) [الزمر: 67]».

ولهذا قال الله عن يوم القيامة:

(الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ)

ومع أن الملك دائمًا هو للرحمن، فلم خصَّ يوم القيامة بهذه الحقيقة؟!

والجواب: لأن قلوب كثير من الغافلين لا تستيقظ إلا بعد فوات الأوان! وعند رؤية هذه المشاهد فقط تنكشف الحقائق الغائبة للقلوب الغافلة.

2. صفات العبد المملوك

العبد لا يملك شيئًا على الحقيقة؛ لأن استقلاله بالتصرف في مُلك غيره يستلزم استقلاله بتصرفه في مُلكِه الشخصي، وهو لا يملك من ذاته ولا أعضائه ولا أجهزته ولا أنسجته شيئًا، فكيف يملك شيئًا مما حوله؟! إن كان عاجزًا عن ملك نفسه فهو عن امتلاك غيره أعجز.

قال تعالى:

(يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)

وتعريف الناس في الآية بأنهم الفقراء- وإن كانت الخلائق كلهم مفتقرين إلى الله- للمبالغة في فقرهم؛ وكأنهم لشدة افتقارهم وكثرة احتياجهم إلى ربهم هم الفقراء وحدهم، وكأن افتقار سائر الخلائق بالإِضافة إلى افتقار الناس غير مُعتَدٍّ به.

ولهذا قال ذو النون:

«الخلق محتاجون إليه في كل نفس وخطرة ولحظة، وكيف لا! ووجودهم به وبقاؤهم به»(8).

وقال ابن القيم وهو يشرح معنى الفقر:

« (الفقر اسم للبراءَة من رؤية الملكة):

يعنى أَن الفقير هو الذى يجرِّد رؤية الملك لمالكه الحق، فيرى نفسه مملوكة لله لا يرى نفسه مالكًا بوجه من الوجوه، ويرى أعماله مستحقة عليه بمقتضى كونه مملوكًا عبدًا مستعملًا في ما أمره به سيده، فنفسه مملوكة، وأعماله مستحقة بموجب العبودية، فليس مالكًا لنفسه، ولا لشيء من أعماله، بل كل ذلك مملوكٌ عليه، مستحَقٌّ عليه، كرجلٍ اشترى عبدًا بخالص ماله، ثم علَّمه بعض الصنائع، فلما تعلمها قال له: اعمل وأَدِّ إليَّ، فليس لك في نفسك ولا في كسبك شيء.

فلو حصل بيد هذا العبد من الأموال والأسباب ما حصل لم ير له فيها شيئًا، بل يراه كالوديعة فى يده، وأنها أموالُ أُستاذِه وخزائنه ونعمُه بيد عبده، مستودعًا متصرفًا فيها لسيده لا لنفسه، كما قال عبد الله ورسوله وخيرته من خلقه: (والله إِني لا أُعطي أحدًا ولا أمنع أحدًا، وإِنما أنا قاسم أضع حيث أُمِرْتُ)، فهو متصرِّف فى تلك الخزائن تصرُّف العبد المحض الذي وظيفته تنفيذ أَوامر سيده، فالله هو المالك الحق، وكل ما بِيَد خلقه إنما هو من أَمواله وأَملاكه وخزائنه أفاضها عليهم؛ ليمتحنهم فى البذل والإِمساك»(9).

ولاحظ قوله (رؤية المَلَكَة) لأن الإِنسان قد يكون فقيرًا لا مُلكَ له فى الظاهر، لكنه غير متحقِّق بوصف الفقر الممدوح هنا، والذي لا يرى المُلك إلا لله الملك الحق، وقد أوتي سليمان ملكًا لا ينبغى لأَحَدٍ من بعده، ومثله أغنياءُ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكذلك أغنياءُ الصحابة، فكانوا أصحاب مُلكٍ ظاهر، لكنهم سلِموا من رؤية المُلْك لنفوسهم، فلم يروه إلا عارِيَّة ووديعة فى أيديهم ابتلاهم الله بها؛ لينظر هل يتصرَّفون فيه تصرف العبيد أم تصرف المُلّاك، وهل يعطون لهواهم ويمنعون لهواهم أم يعطون لله ويمنعون لله، فوجود المال فى يد العبد لا يقدح فى افتقاره إلى ربه، وإِنما الذي يقدح فى صحة افتقاره: رؤيته لملكه.

عرف ربه من رأى نفسه مستخلفًا على المال، والمُلْك معارٌ له.

ما عرف ربه من رأى نفسك مالكًا حقيقيًّا للمال، فاختال به على الخلق، وتكبَّر على الضعفاء.

3. علاقة العبد المملوك بملك الملوك

لكن ما حال هؤلاء الخلق مع الله؟

ما علاقتك بمن يملكك؟

إنها علاقة (العبودية).

قال ابن تيمية:

«ولفظ العُبُوديَّة يتضَمَّن كمال الذل وكمال الحُبِّ»(10).

قال ابن القيِّم:

«ومنشأ هذين الأصلين عن ذينك الأصلين المتقدمين، وهما مشاهدة المنة التي تورث المحبة، ومطالعة عيب النفس والعمل التي تورث الذل التام»(11).

وأشرف صفات العبد: صفة العبودية، وأحبُّ أسمائه إلى الله اسم العبودية كما ثبت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:

«أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن»(12)..

والعبودية هي العملة الوحيدة الصالحة للتداول في سوق الآخرة، وذلك في الدور الثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار؛ ولذا تنقطع فيها كل الأسباب والعلاقات التي كانت بين الخلق في الدنيا، فكل من تعلَّق بغير الله انقطع به أحوج ما يكون إِليه، كما قال تعالى: {إِذْ تَبَرّأَ الّذِينَ اتّبِعُواْ مِنَ الّذِينَ اتّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ}.

فلا تبقى إلا الصلة التي بينك وبين ربك.. وهي صِلَة (العبودية).

ولن تحقِّق العبودية بحق حتى تكون عبد السراء وعبد الضراء، وعبد المنع وعبد العطاء. قال ابن القيِّم:

«فإن لله تعالى على العبد عبودية الضراء، وله عبودية عليه فيما يكره، كما له عبودية فيما يحب، وأكثر الخلق يعطون العبودية فيما يحبون.

والشأن (أي علو شأن العبد) في إعطاء العبودية في المكاره، ففيه تفاوت مراتب العباد، وبحسبه كانت منازلهم عند الله تعالى، فالوضوء بالماء البارد في شدة الحر عبودية، ومباشرة زوجته الحسناء التي يحبها عبودية، ونفقته عليها وعلى عياله ونفسه عبودية.

هذا والوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية، وتركه المعصية التي اشتدت دواعي نفسه إليها من غير خوف من الناس عبودية، ونفقته في الضراء عبودية..

ولكن فرق عظيم بين العبوديتين.

فمن كان عبدًا لله في الحالتين، قائمًا بحقه في المكروه والمحبوب، فذلك الذي تناوله قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾، فالكفاية التامة مع العبودية التامة»(13).

وكل الإشكال إنما يقع حين ينسى العبد أنه عبدٌ، أو لا يصف مالكه بصفات الكمال، فيعترض على قضائه وقدَره.

والله تعالى يقول:

(لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)

قال الإمام النسفي:

«لأنه المالك على الحقيقة، ولو اعترض على السلطان بعض عبيده مع وجود التجانس وجواز الخطأ عليه وعدم الملك الحقيقي لاستُقبِح ذلك، وعُدَّ سفَهًا، فمَنْ هو مالك الملوك ورب الأرباب وفعله صواب كله، أوْلى بأن لا يُعتَرَض عليه»(14).

وإذا كانت القاعدة الإدارية تقول: المدير دائمًا على حق، فإنه من القبيح أن يكون هذا سلوكنا مع البشر مع ما فيهم من الجهل والنقص، ولا يكون هذا حالنا مع الملك الحق.

فالله تعالى لا يُسأل عما يفعل؛ لأن العادة أن يسأل الكبير الصغير عن فعلِه، ولا أكبر من الله..

وأن يسأل الجليل الذليل عن عملِه، ولا أجلَّ من الله..

وأن  يسأل الأعلى مقامًا الأدنى، ولا أحدَ أعلى من الله في أي شيء حتى يسأله.

عرف ربه من أدى عبودية الضراء كما يؤدي عبودية السَّراء.

ما عرف ربه من كان عبدًا في السراء بالشُّكر دون الضراء بالصبر.

شبهة سائل

سألني سائل:

ظللت ستة شهور أدعو لوالدي المريض أن يعافيه الله ويشفيَه، لكنه مات!

أليس هذا عجيبًا؟!

فقلت له:

بل شأنك هو العجيب، فهل أنت عبدٌّ أم سيِّد!

هل أنت شريك لله في ما خلق!

أأنت الأعلم بما ينفعه وما يضره أم الله!

أأنت الأرحم به أم الله!

أأنت الأحكم أم الله!

وهل عقد عبوديتك معه نصَّ على أن يتعبَّدك بالعطاء دون المنع، وبالنفع دون الضُّر؟!

وشبيه ذلك:

أن يقول قائل: لم لا يعاقب الله الكفار؟

ولماذا لا يقع العذاب على المجرمين؟

ولم أمهل الله الظالمين؟!

فمِثل هذا الكلام يخطر على بال الكثيرين، وأورث بعضهم: الاعتراض على الأقدار، والتسخُّط على العزيز الجبار، وهو يدل على أنهم لا يعلمون طبيعة العلاقة بين (الملك) وبين (العبد المملوك).

فاعتقادك بالملك إذن يتعلَّق بمثلث له أضلاع ثلاثة:

1. أنه ملك كامل الصفات منزَّهٌ عن الآفات.

2. أنك عبدٌ مملوك، وما تصرفك في ملك الله إلا تصرف في ما أعاره الله لك.

3.أن علاقتك به علاقة العبودية التامة، والرضا الكامل بتدبيره سبحانه.


شارك برأيك في الكتاب

ملحوظة: لو كنت من أعضاء الموقع ، فقم بتسجيل الدخول ثم أضف مشاركتك ، أما لو كنت ضيفا فيمكنك المشاركة مباشرة دون تسجيل بوضع بريدك الالكتورني واسمك ثم المشاركة مباشرة

 

شارك في صنع الكتاب بآرائك


مود الحماية
تحديث

 
#8 احمد شريف الخميس, 31 مارس 2016
تسلم ايدك و جزاك الله خيرا أنا استأذنك هنشره على دفعات فى صفحة
اقتباس
 
 
#7 amr goda الخميس, 10 مارس 2016
wonderful
اقتباس
 
 
#6 om sara sara السبت, 30 يناير 2016
أستغفر الله العظيم الذى لا اله الا هو الحى القيوم وأتوب اليه
اقتباس
 
 
#5 أحمد شعبان السبت, 28 نوفمبر 2015
ما شاء الله جميله
اقتباس
 
 
#4 نورجينا مجدى السبت, 24 أكتوبر 2015
و من علامات حب الله ايضا ان يمن عليه بالدين
* قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وإن الله -عز وجل- يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن يحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، "
اقتباس
 
 
#3 نورجينا مجدى الجمعة, 23 أكتوبر 2015
كما ان الله يحب
* التوابين. و المتطهرين " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِي نَ"
* المتقين " بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ "
* المحسنين " وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ "
* المتوكلين. "فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِي نَ "
* المقسطين " فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ "
* الصابرين "و اللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ "
* الذين يقاتلون فى سبيله صفا كل
اقتباس
 
 
#2 رشا سعد الأحد, 11 أكتوبر 2015
ممكن حضرتك تجمعلنا الأحاديث والايات التي توجب رحمة الله مكتوبة سواء هنا او في حساب الفيس بوك؟
اقتباس
 
 
#1 اميرة 22 الجمعة, 02 أكتوبر 2015
السلام عليكم اعجبتني كثيرا هذا الموضوع وجزاكم الله خيرا واسال الله ان ينفعنا به
اقتباس